في هذا المقال التحليلي، يكتب الدكتور محمد ذو الفقار رحمت وويشنو تري أوتومو عن مفارقة سياسية وبيئية تضع إندونيسيا أمام اختبار صعب، رغم خطابها الداعم تاريخيًا للحقوق الفلسطينية.
يلفت ميدل إيست مونيتور الانتباه إلى قرار حكومي إندونيسي منح امتياز لتوليد الطاقة الحرارية الأرضية في جزيرة هالماهيرا، وهي جزيرة غنية بالغابات في شرق البلاد، لشركة مرتبطة بالنظام الاقتصادي الإسرائيلي.
يحمل القرار، بحسب الكاتبين، مخاطر سياسية وبيئية مزدوجة، إذ يقوض الموقف الإندونيسي المعلن تجاه فلسطين ويعرض نظامًا بيئيًا هشًا لضغوط صناعية متزايدة.
تناقض سياسي وخيار تنموي محفوف بالمخاطر
في الثامن من يناير 2026، منحت وزارة الطاقة والثروات المعدنية الإندونيسية منطقة العمل الحراري الأرضي «تيلاجا رانو» لشركة «بي تي أورمات جيوثيرمال إندونيسيا»، ضمن خطة وطنية تستهدف الوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2060. يؤكد الكاتبان أن التحول إلى الطاقة المتجددة ضرورة ملحة لدولة لا تزال تعتمد بشكل كبير على الفحم، غير أن هذه الضرورة لا تبرر تجاهل الانسجام السياسي أو الحماية البيئية.
يرتبط الامتياز بشركة «أورمات تكنولوجيز»، التي تقوم على شبكات هندسية ومالية إسرائيلية، ما يعني أن العوائد والتكنولوجيا المرتبطة بالمشروع ستدور داخل هذا النظام. يرى المقال أن الانخراط الاقتصادي بهذا الحجم يحمل دلالة سياسية واضحة، خاصة لدولة لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل وتعلن دعمها المستمر لحق الفلسطينيين في تقرير المصير.
ضغوط صناعية متراكمة على هالماهيرا
تتعرض جزيرة هالماهيرا بالفعل لضغوط متزايدة نتيجة الطلب العالمي على الموارد. فقد حولت مجمعات ضخمة لمعالجة النيكل، مدعومة أساسًا باستثمارات صينية، أجزاء واسعة من الجزيرة إلى مراكز صناعية مرتبطة بسلاسل توريد بطاريات السيارات الكهربائية. كما موّلت جهات من اليابان وكوريا الجنوبية مصاهر ومحطات طاقة وشبكات لوجستية لتأمين المعادن.
أدى هذا التوسع الصناعي إلى تسارع فقدان الغابات في المناطق الصناعية، وارتفاع الضغط على المياه الساحلية، واضطرار المجتمعات المحلية إلى التكيف مع تحولات اقتصادية مفاجئة. يضيف المقال أن الامتياز الحراري الأرضي الجديد يفرض بصمة صناعية طويلة الأمد فوق نظام بيئي يعاني أصلًا من تأثيرات تراكمية.
مخاطر بيئية وتجارب سابقة مقلقة
يشدد الكاتبان على أن المخاطر البيئية ليست افتراضية. فمشروعات مرتبطة بشركة «أورمات» في مناطق أخرى من إندونيسيا سببت أضرارًا بيئية واضطرابات اجتماعية. في محطة «بلاوان إيجين» للطاقة الحرارية الأرضية، تسربت مخلفات من أحد الآبار إلى قنوات تصريف مائي، ما لوث نبعًا يعتمد عليه سكان عدة قرى كمصدر رئيسي للمياه. وصف السكان مياه الشرب بأنها سيئة الطعم، وذكروا أنها تترك بقايا لزجة على الجلد، ما اضطر العديد من الأسر إلى جلب المياه من قرى مجاورة.
لاحقًا، امتد التلوث إلى نبع آخر، وأبلغ السكان عن إصابات معوية بعد استهلاك المياه، ما دفعهم إلى هجر المصدر واللجوء إلى شراء المياه المعبأة رغم العبء المالي. في جزيرة بورو القريبة، دفعت أنشطة الاستكشاف بعض السكان الأصليين إلى التوغل أعمق في الغابات خوفًا وعدم يقين، وسط شكاوى من غياب الشفافية وضعف إشراك المجتمعات المحلية.
التقاء المخاطر السياسية والبيئية
تقع هالماهيرا ضمن نطاق «والاسيا» البيئي، أحد أكثر الأقاليم تنوعًا بيولوجيًا في العالم. يمكن للحفر الحراري الأرضي أن يعطل أنظمة المياه الجوفية التي تدعم الزراعة والصيد، كما تفتح الطرق الجديدة الغابات البكر أمام أنشطة استخراجية أخرى، وتؤدي خطوط النقل إلى تجزئة الموائل الطبيعية. حين تتقاطع هذه الضغوط، يصبح التراجع شبه مستحيل.
يؤكد المقال أن الطاقة المتجددة تخفض الانبعاثات الكربونية، لكنها لا تلغي التكلفة البيئية. في أنحاء مختلفة من إندونيسيا، أثارت مشروعات الطاقة الحرارية الأرضية نزاعات حول حقوق الأراضي والتعويضات وتوزيع العوائد، وغالبًا ما تتحمل المجتمعات المحلية المخاطر البيئية قبل جني أي فوائد اقتصادية.
خسارة مزدوجة ودعوة للمراجعة
يخلص الكاتبان إلى أن المخاطر السياسية والبيئية تتقاطع عند نتيجة واحدة: إندونيسيا تضر بنزاهتها السياسية وببيئتها في آن واحد. فالموافقة على مشروعات مرتبطة بشركات متجذرة في الاقتصاد الإسرائيلي تقوض مصداقية الموقف الإندونيسي الداعم لفلسطين، وتبعث رسالة بأن المبادئ قد تخضع للاعتبارات الاستثمارية. في الوقت نفسه، تتحمل الأرض والسكان المحليون كلفة بيئية مباشرة.
لا يرى المقال في هذه القضية مفاضلة بين السياسة الخارجية والتنمية، بل «خسارة مزدوجة». لذلك يدعو الحكومة إلى سحب الامتياز وإعادة مواءمة قراراتها الاقتصادية مع مبادئها المعلنة. حماية جزيرة هالماهيرا، وفق هذا المنطق، تعني حماية مصداقية إندونيسيا وبيئتها معًا، وتأكيد أن النزاهة السياسية وحماية الطبيعة أصلان استراتيجيان لا يجوز التفريط بهما.
https://www.middleeastmonitor.com/20260214-saving-halmahera-island-in-indonesia-from-israeli-investment/

